فوز مانشستر سيتي على ليفربول بثلاثة أهداف دون رد لم يكن نتيجة عادية، ولم يكن مجرد مباراة تنتهي بثلاث نقاط في جدول الدوري الإنجليزي، بل كان درسًا في الإدارة التكتيكية من بيب جوارديولا، ودرسًا في كيفية التحكم في الإيقاع من أول ثانية إلى آخر لحظة من المباراة. عندما يفوز السيتي بهذه الطريقة، فهذا يعني شيئًا واحدًا: أن الفريق لم يفز بالمهارة فقط، بل فاز بالذكاء والتحضير قبل الكرة.
بدأ السيتي المباراة وكأنه يعرف كل ما يريده كلوب قبل أن يفعل. منذ البداية، سيطر السيتي على وسط الملعب، وفرض أسلوبه المعروف: “التحكم بالمباراة عبر التحكم بالمكان والزمن والممرات”. كل تمريرة كانت لها هدف. كل تحرك كان محسوب. لم يكن هنالك أي لحظة عشوائية من جانب لاعبي السيتي. في المقابل، ليفربول دخل المباراة بتوتر واضح وتراجع في العمق الدفاعي، وهذا أعطى السيتي المساحة المناسبة لتحريك الكرة بكل راحة من خلال الأجنحة والوسط.
جوارديولا لعب على نقطة ضعف يعرفها الجميع: أن ليفربول إذا لم يضغط من الأمام بقوة، فهو يصبح فريق متوسط جدًا في البناء الدفاعي. لأن ليفربول يعتمد على أن الخطر يتم قتله عند المصدر، أي عند أقرب لاعب للكرة. ولذلك لعب السيتي على هذه الفكرة. السيتي لم يحاول بناء الهجمة ببطء، بل كان يبحث عن “اختراقات مباشرة” بين الخطوط. لهذا رأينا أن السيتي كلما اقترب من منطقة ليفربول، كان ينتقل بسرعة من العمق إلى الأطراف ثم يعود بسرعة إلى العمق. هذا التغيير السريع في اتجاه اللعب قتل ليفربول تمامًا.
الهدف الأول كان مفتاح المباراة. ليس فقط لأنه وضع السيتي في المقدمة، ولكن لأنه أعطى السيتي السيطرة العقلية على المباراة. ليفربول حاول العودة لكن لم يكن لديه العقل الهادئ ولا التنظيم. في كل مرة حاول ليفربول الوصول إلى منطقة السيتي، كان يجد نفسه مقابل ثلاثة لاعبين مستعدين لإغلاق المساحة وليس لاعب واحد فقط. وهنا نلاحظ الفرق الكبير بين الأسلوبين: السيتي جماعي في الدفاع والهجوم، وليفربول في هذه المباراة كان فردي في رد الفعل.
الوسط كان كلمة السر في اللقاء. وسط مانشستر سيتي كان يعمل كأنه “مركز عمليات”، يحدد متى يتم خفض الإيقاع ومتى يتم رفعه. عندما كان السيتي يشعر أن ليفربول بدأ يتنفس قليلًا، يقوم الفريق بزيادة الرتم فجأة بهجمة سريعة. هذا التبديل المستمر في الإيقاع يجعلك كمدافع لا تعرف هل تضغط أم تتراجع، وسبب ارتباك واضح جدًا في ليفربول.
أما عن الدفاع السيتي، فهو كان ناضجًا جدًا. ليس لأن ليفربول كان ضعيفًا فقط، لكن لأن دفاع السيتي كان يعرف متى يتقدم ومتى يرجع. من أهم علامات الفرق الكبيرة أنها تستطيع أن تدافع وهي تستحوذ على الكرة وتدافع وهي بدون الكرة بنفس الجودة. وهذا ما فعله السيتي.
الهدف الثاني قتل ليفربول نفسيًا. بعد الهدف الثاني، ليفربول فقد الشخصية، وبدأ يلعب بدون ترتيب أو فكرة. هنا بدأ السيتي يستمتع باللعب، يحتفظ بالكرة ويجعل ليفربول يطارد الهواء. هذا ليس مجرد استحواذ، هذا استعراض للسيطرة. ثم جاء الهدف الثالث لينهي كل حلم لدى ليفربول في العودة.
من الدقيقة الأولى إلى آخر دقيقة، لم نشاهد أي لحظة كانت تشير أن ليفربول قادر على العودة. هذه قمة السيطرة التكتيكية.
الفوز 3-0 ليس فقط فوز في النتيجة، بل هو فوز في الذكاء. جوارديولا لم يفز بالقوة فقط، بل فاز لأنه أعد خطته على أساس نقاط ضعف ليفربول وليس على أساس نقاط قوة فريقه فقط.
ليفربول اليوم كان مثال واضح: عندما لا تضغط من الأمام، أنت تخسر المباراة قبل أن تبدأ. والسيتي اليوم كان مثال واضح: عندما تتحكم في الإيقاع، أنت تتحكم في النتيجة.
هذا الفوز سيكون نقطة تحول في الموسم. ليس فقط لأنه رفع رصيد النقاط، بل لأنه أرسل رسالة للكل: مانشستر سيتي ما زال الفريق الأقوى في إنجلترا عندما يدخل وهو مركز وجائع للانتصار